ابن عجيبة
5
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الشَّهْرَ الْحَرامَ بالقتال أو السّبى ، وهذا قبل النسخ ، وَلَا تحلوا الْهَدْيَ ، أي : ما أهدى إلى الكعبة ، فلا تتعرضوا له ولو من كافر ، وَلَا تحلوا الْقَلائِدَ أي : ذوات القلائد ، وهي الهدى المقلدة ، وعطفها على الهدى للاختصاص ؛ فإنها أشرف الهدى ، أي : لا تتعرضوا للهدى مطلقا . والقلائد جمع قلادة ، وهي : ما قلد به الهدى من نعل أو لحاء الشجر ، أو غيرهما ، ليعلم به أنه هدى فلا يتعرض له ، وَلَا تحلوا آمِّينَ أي : قاصدين البيت الحرام ، أي : قاصدين لزيارته ، يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً أي : يطلبون رزقا بالتجارة التي قصدوها ، ورضوانا بزعمهم ؛ لأنهم كانوا كفارا . وذلك ، أن الآية نزلت في الحطم بن ضبيعة ، وذلك أنه أتى المدينة ، فخلّف خيله خارج المدينة ، ودخل وحده إلى النّبى صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : إلام تدعو النّاس إليه ؟ فقال له : « إلى شهادة أن لا إله إلا اللّه وإقام الصّلاة وإيتاء الزكاة » . فقال : حسن ، إلا أن لي أمراء لا أقطع أمرا دونهم ، ولعلى أسلم ، فخرج وغار على سرح المدينة فاستاقه ، فلما كان في العام المقبل خرج حاجّا مع أهل اليمامة ، ومعه تجارة عظيمة ، وقد قلّد الهدى ، فقال المسلمون للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : هذا الحطم قد خرج حاجّا فخلّ بيننا وبينه ؟ فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنه قلد الهدى » ، فقالوا يا رسول اللّه : هذا شئ كنا نفعله في الجاهلية - أي : تقية - ، فأبى عليهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فنزلت الآية « 1 » . وقال ابن عباس : كان المشركون يحجون ويهدون ، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم ، فنهاهم اللّه تعالى بالآية . وَإِذا حَلَلْتُمْ من الحج والعمرة فَاصْطادُوا ، أمر إباحة ؛ لأنه وقع بعد الحظر ، وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ أي : لا يحملنكم ، أو لا يكسبنكم شَنَآنُ قَوْمٍ أي : شدة بغضكم لهم لأجل أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ عام الحديبية أَنْ تَعْتَدُوا بالانتقام منهم ؛ بأن تحلوا هداياهم وتتعرضوا لهم في الحرم . قال ابن جزى : نزلت عام الفتح حين ظفر المسلمون بأهل مكة ، فأرادوا أن يستأصلوهم بالقتل ؛ لأنهم كانوا قد صدوهم عن المسجد الحرام عام الحديبية ، فنهاهم اللّه عن قتلهم ؛ لأن اللّه علم أنهم يؤمنون . ه . ثم نسخ ذلك بقوله : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ . « 2 » ثم قال تعالى : وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى كالعفو ، والإغضاء ، ومتابعة الأمر ، ومجانبة الهوى . وقال ابن جزى : وصية عامة ، والفرق بين البر والتقوى ؛ أن البر عام في الواجبات والمندوبات ، فالبر أعم من التقوى ه . وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ كالتشفى والانتقام . قال ابن جزى : الإثم : كل ذنب بين اللّه وعبده ، والعدوان : على الناس . ه . وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ؛ فانتقامه أشد . الإشارة : قد أمر الحق - جل جلاله - بتعظيم عباده ، وحفظ حرمتهم كيفما كانوا ، « فالخلق كلهم عيال اللّه ، وأحب الخلق إلى اللّه أنفعهم لعياله » ، فيجب على العبد كف أذاه عنهم وحمل الجفا منهم ، وألّا ينتقم لنفسه ممن آذاه
--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير عن عكرمة . وذكره الواحدي في الأسباب ، عن ابن عباس . ( 2 ) من الآية 5 من سورة التوبة .